Wednesday, November 08, 2006

الى شريف عبد العزيز
الصديق القديم الذي اعتز بصداقته كثيرا وخاصة عندما لا يتهور ويحكم عقله
مع خالص المحبة والاعزاز

صاحبنا القديم

كان طفلا غريبا.. لا تسعده ملامح وجوه الخائفين.. ولا نظرات العيون الفزعة.. ولا رائحة البول الذى يدره الخوف.. ولا صوت اصطكاك الأسنان المرتعبة.. بل كان يقضى وقتا طويلا فى مراقبة الوجوه التى تضحك.. ويطربه سماع رنات الضحكات..

يراقبنا ونحن نلعب فى الجرن الفاصل بين صف الزرائب التى تحوى كل ماشية قريتنا وبين الحقول.. كان يختفى خلف بقايا سور السوق المتهدم الواقع على يمين الجرن.. يقضى وقتا طويلا فى تأملنا وهو يقاوم نفسه مقاومة عنيفة حتى لا يشاركنا..

الحكايات التى سمعها عنا كانت تخيفه.. يستطيع أن يتعامل مع واحد منا بمفرده.. لكن عندما نكون أكثر من واحد يجب ألا يقترب منا.. وإلا سيندم على ما سيحدث له طيلة حياته.. كانت هذه الوصايا التى تكررها عليه أمه توقفه مكانه.. لكن تأمله الشخصى كان يصل به إلى نتيجة مختلفة.. فعندما نكون معا لا نتوقف عن الضحك.. وتبدو ملامحنا جميلة وأصواتنا طيبة.. حتى عندما يكون لعبنا عراكا عنيفا.. أما عندما يكون أحدنا وحده.. فملامحه تبدو مكرمشة.. وإذا خرج منه صوت فهو صفير حزين..

وأخيرا قرر أن ينضم إلينا وليكن ما يكون.. كنا نلعب بكرة قدم مصنوعة من فردة جورب قديم محشو ببقايا قطع من القماش والإسفنج.. عندما ظهر لنا فجأة.. ظهر لنا فى صورته الحقيقية.. وأنا لا أستطيع أن أصف صورته الحقيقية هذه.. فعندما وصفتها خالفنى كل أقرانى.. ووصف كل منهم صورة حقيقة مختلفة عن الصورة الحقيقية التى رآها غيره.. لكننا جميعا اتفقنا على أنه طيب وظريف ومتعاون.. ولم نرفض أن نشركه معنا فى اللعب.. لكنه عندما حاول أن يشوط الكرة مرت قدمه من خلالها وظلت الكرة مكانها.. فاخترته حارس مرمى لفريقى لقدرته على الطيران بحيث لا تفلت منه الكرة.. لكن الكرة كانت تخترقه من أى منطقة فى جسمه وتستقر فى المرمى.. وأخيرا وجد لنفسه دورا جيدا.. بدأ يقف فى الهواء فى منتصف الملعب ويتوهج كمصباح كهربائى ضخم يضئ لنا الملعب كله بعد غروب الشمس.. فأعطانا وقتا أطول نلعب فيه.. وأعطى نفسه فرصة أفضل لمراقبتنا جميعا ونحن نجرى ونضحك.. وعندما كنا ننتهى من اللعب يوصلنا إلى منازلنا مضيئا لنا الطريق..

كان يحدثنا عن سعادته وهو يتسلل حتى لا تراه أمه وهو قادم إلينا.. ويشعر أنه كبير وعظيم لأن لديه سره الخاص الذى لا يعرفه أحد من أهله.. صداقته لنا.. حتى عندما اكتشفت أمه كثرة تغيبه وكراهيته لفكرة التشكل وإخافة البشر الذين يسيرون فرادى ليلا وضربته علقة ساخنة أتى إلينا يحكى ما فعلته به أمه وهو يضحك.. كان يحب ملامح نفسه وهو يضحك.. وينظر فى كفه التى تصبح مصقولة كمرآة جديدة.. فتزداد سعادته.. ويصر على رؤيتنا نضحك طوال الوقت..

ثم اختفى فجأة.. لا نعرف ما حدث له حتى الآن.. هل عرفت أمه علاقته بنا وعاقبته عقابا جعله لا يستطيع الظهور لنا؟ أم أن هدم السوق القديم وتسويته بالجرن وبناء مدرسة للقرية فوقهما هو السبب؟

ما يثق فيه حدسى أنه لم يمت بعد.. ولم يغادر القرية.. فأحيانا، عندما أسير بالليل وحيدا بائسا لتراكم مشكلات الحياة فوق رأسى.. يأتينى صوت ضحكاتنا فى الجرن ونحن صبية.. أستطيع أن أميز كل الضحكات.. ضحكتى.. وضحكات أقرانى.. وضحكة صاحبنا القديم.. فلا أملك إلا أن أضحك وأضحك ويملأ الليلَ ضحكى.




15 comments:

ibn_abdel_aziz said...

شكرا يا دكتور علي الاهداء ده
انا لما قريتها استنتجت حاجات كثيرة

بس فكرة اختفاء الولد فجأة مخيفة حتي لو كانت ضحكته احيانا بتجلجل وحد بيسمعها

القصة خليتني اذرف كام دمعة
مش عارف اعلق عليها ازاي

Malek said...

المهمة نضحك يا شريف نضحك ونحب الحياة ونرفض القرف المفروض علينا باسم اي حاجة

Mounir Otaiba said...

عزيزى شريف
دمعتك غالية علىّ جدا
ولعلها أبلغ تحية حصلت عليها على كتاباتى حتى الآن بالإضافة إلى تحيتين أوثلاثة قد تأتى الظروف وأذكرها فيما بعد
لكننى أظن أن الولد/العفريت الذى اختفى ترك باختفائه أثرا فى نفوس الولد/الراوى/الإنسان أكثر مما لو بقى
ومن أدراك لعله لم يختفى لعله بقى فى نفوس الأولاد لذلك يسمعون ضحكته عندما تتعقد حياتهم أو لعله موجود بالفعل حولهم لكنه غير مسموح له بالظهور لهم الآن
تخمينات كثيرة خطرت ببالى عندما قرأت تعليقك وأعدت قراءة القصة
أما ما الذى كان يقصده المؤلف بالضبط فهذا ما لن يعرفه إلا المؤلف عندما كان يكتب القصة وأنا الآن بالقطع لست هو بدرجة 100% وشكرا

Anonymous said...

قصة جميلة اثارت شجونى وذكرتنى بأشباح الماضى التى استضفتها لفترات فى عالمى الخاص ثم اختفت ..او كانت هى من استضافتنى فى عالمها ثم طردتنى عندما فقدت براءتى وصرت عاقلا .. لا اعلم الحقيقة.
قرأت تنويعات عديدة من تلك التيمة القصصية كانت آخرها للدكتور خالد توفيق بإسم اسطورة البيت وتكلم فيها عن صديقته الطفلة - شيراز - من عالم الاشباح والتى كانت اول عشقه حتى اختفت فجأة كما تختفى اشياء كثيرة من حياتنا بلا رجعة .. لكن الغريب انها عادت للظهور عندما اصبح رجلا بالغا واتخذت القصة منحنى عنيف بعض الشىء لم يروقنى ..لكن كتابات استاذ منير هنا تضعنى فى حالة من الانتشاء بعد الانتهاء من قراءتها كما يفعل الماء المثلج بعد قرص من النعناع

Anonymous said...

استاذ شريف .. مبروك لفوز كيث اليسون .. وعقبال مايبقى فيه عندنا انتخابات من النوع ده فى مصر
كنت عاوز اسألك عن رأيك فى الفترة اللى كنت بتكتب فيها فى قهوة كتكوت واللى كانت اول معرفة لى بكتابتك خاصة حواراتك مع يحيى عياش ومنير او لنين ثم مالكوم اكس ثم الشهيد مالك والعودة مرة اخرى الى لنين وكذلك محمد طق حنك (انونيمس) وجهاد عبدالعزيز؟
ملحوظة : آسف يا دكتور اسامة انى استغليت الاهداء بتاعك لابن عبدالعزيز وسألته هنا فى مدونتك عن الحاجات دى

Malek said...

ايماتيور تشبيه رائع ماء مثلج بعد قرص من النعناع

كتابة منير تنتمي لجنس الحكاية الشعبية او الحدوتة
عالم الجن فيه عالم موازي لعالمنا
فيه الكثير من البراءة والمرح وايضا المعاكسة والعشق
فكرة المصالحة التي نراها في كل القصص او الحكايات او الحواديت هي ليست فقط مصالحة مع الذات او النفس ولكن ايضا مصالحة مع المجتمع وتراثه واساطيره بمعنى الانا الجمعي
في زمن اما نحول فيه هذا الانا الجمعي الى خرافة او نحاول علمنته اي قسره في مجال العلم في هذا الصدد

كتابة دكتور خالد توفيق ولو اني غير متبحر فيها تنتمي لجنس الرعب والخوارق اكثر
وهو جنس ادبي مشهور من ابرز كتابه العالميين كما اظنك تعرف ستيفن كينج
وهنا الفرق
منور دايما يا جميل في كل ماتكتب

Malek said...

ايماتيور يا سيدي دي مدونتك ومفتوحة لكل الحوارات والاجتهادات والمناقشات بس يا ريت تنبه شريف انك سألته هنا
وطبعا التدوينة مهداة له
فمن حقه انه يجاوب ومن حق احبابه واصدقاءه انهم يسألوه

Anonymous said...

دكتور اسامة
تعبير النعناع والماء المثلج اقتبسته من نزار قبانى .. وانا لست من مريديه ولكنى وجدته تشبيه رائع كما وصفت سيادتك .. فهولاء الشعراء يملكون قدرة غريبة على وصف احاسيس نعجز عنها معشر الطبيعيين عن وصفها او خلق كلمات تعبر عنها ..
لا اذكر النص كاملا الذى قاله نزار ولكنه شىء قريب من ..
" شكرا لحبك فهو مروحة . وطاووس . . و نعناع . . وماء . . و غمامة وردية مرت مصادفة
بخط الاستواء "
اما عند خالد توفيق فهو كاتب جيد ولكنه تأثر بالترجمات العديدة التى قام بها واقتبس بعضها فتلونت كتاباته بتعبيرات غربية ولكنها مقبولة .. فيقول مثلا .."شعرت بالسعادة كخنزير برى فى بركة من الوحل " او مثلا .. " صحوت مبكرا وخرجت للشرفة لاستمتع بضوء الصباح واستمع للعصافير وهى تتبادل عبارات السباب المختلفة على سبيل تحية الصباح لبعضها البعض " وهكذا ..
يحاول ان يسير على نهج لافكرافت وادجار الان بو فى شعره وكتاباته .. ولكنه لايزال محصورا فى الكتابات التجارية الموجهة للشباب صغير السن ..وان كان له بعض الكتابات الرائعة التى اود ان اعلق على احداها فى مدونتى يوما ما .. شكرا لكرمك يا دكتور اسامة
:o)

Ossama said...

ايماتيور الجميل
يا سيدي كرمك انت هو الذي يجب ان تشكر عليه
و الحقيقة التعبير حتى لو كنت استعرته من نزار وهو شاعر كبير حتى لو لم اكن من مريديه
الا ان صياغتك له كانت خاصة جدا وجميلة
انا حقيقي مقرتش د.خالد توفيق
قريت
لافكرافت ومعجبنيش قوي
بحب بو جدا وخصوصا ان اعماله دايما هي
border line on the uncanny
يعني فيها امكانيات كبيرة للواقع
الترجمة لماتأثر على الاسلوبية مش حلوة
يعني ايه خنزير بري يتمرغ في بركة من الوحل بذمتك؟؟
يعني عمرك شفت خنزير بري ولا حتى مش بري؟؟؟
ياريت تقولي رأيك في قصة الخال السفلي وسوق الغجر

ibn_abdel_aziz said...

نحب الحياة
تعرف ان ده اصعب من كراهيتها ؟

ibn_abdel_aziz said...

منير عتيبة
لم اعرف انك كاتب القصة
تحياتي القصة رائعة ومؤثرة جدا

انا من النوع المحب للخيالي العلمي والخيال بشكل عام خاصة المغموس في الغامض والروحي والاسطوري الخ

ويمكن لو سالت الدكتور اسامة يقوللك

القصة يمكن ان تتحول الي فيلم قصير مؤثر للغاية مع المؤثرات الصوتية والخلفيات المناسبة
تحياتي مرة اخري

ibn_abdel_aziz said...

ايماتيور

الله يبارك فيك

الفترة اللي انت ذكرتها كانت من حوالي سنتين او ثلاثة وكانت مرحلة رد فعلية
كنت ساخط علي الوضع الداخلي للجماعات الاسلامية وخاصة الاخوان المسلمين اللي انا كنت عضو فيهم بتاع 15 سنة منهم اكثر من 7 سنين في موضوع قيادي
الحرب في العراق
حقوق الانسان العادي اللي محدش بيتكلم عنها بينما الخطب الحاشدة بتركز علي الحجاب والعورة والفتنة وسد الذرائع وخلافه
كنت حاسس بالاختناق
وكنت بفكر في حلول بس بصوت عالي
وكنت بزعق ساعات وكنت بتناقش
كنت بنضج
بس بنوع من الثورة علي كل شئ
بيتهيالي كنت بدور علي نفسي
لاني حسيت اني تايه وضايع واني متعدد الاوجه وحاسس باني منافق
كنت بتطهر تقدر تقول

الا صحيح قوللي انت كنت مين في قهوة كتكوت؟

شكرا يا دوك اسامة علي مساحة النقاش في مواضيع تاريخية :) كنت جزء منها في يوم من الايام

Mounir Otaiba said...

عزيزى شريف
شكرا على رأيك فى القصة
وأرجو أن تعجبك القصص القادمة
فين بقى المخرج اللى ح يعمل الفيلم ده
أنا موافق جدا طبعا
وشكرا

Ossama said...

شريف بك منور مدونة مالك يا جميل
ياعم لاشكر على واجب يعني هو السيرفر بتاع ابويا خللي الناس تنبسط

منير ابسط ياعم حتروح هليوود وتلعب معاك البلية وتمشي مشي بطال في بلاد الوليات المتحدة
اللي مبتخافش من رجالتها

Anonymous said...

ايوه يا استاذ شريف ..انا هاستغل كرم الدكتور اسامة واكمل ردى هنا.
مواضيعك وحواراتك مع الطاقم اللى ذكرته فى ردى الاول هى اللى خلتنى احط الرحال لفترة من الوقت فى باب قضايا وحوار .. كان الاغراء اكبر من ان يقاوم .. اخوانى وسلفى وليبرالى وشيوعى وفوضوى متجمعين فى مكان واحد وانت بينهم كان حاجة حلوة خالص ..دماغى وقتها كانت عاملة زى التلاجة اللى ترموستاتها بايظ ومش عاوزة تفصل خالص !
انا ياسيدى كنت عضو صامت مش مشهور اسمه بلاسيبو