Friday, May 18, 2007

5-الغسيل منير عتيبة مصر

الغسيل




بائع الدوم العجوز كان أول من لاحظ.. تعالت الضحكات فى المقهى الكبير إذ ظنه الجميع مجنوناً، بينما تأكدت أنا من وقاحته وهو يصف ملابسى وملابس زوجتى بدقة مدهشة، قميصى التى تآكلت أطرافه فأخفيها فى البنطلون، ورجل البنطلون الأخضر التى رفتها زوجتى بخيط بنى، وقميص نوم زوجتى الأحمر الذى بهت لونه.. غلى دمى، وقمت أسب الرجل ومن يستمعون إلى وقاحته، لم يحاول أحد تهدئتى، فى ظروف أخرى كان يمكن أن يتحول وصفه لملابس زوجتى الداخلية إلى حكاية كبيرة تتفرع عنها حكايات، أما الآن فالبطل ليس هو الملابس، ولكن نظريته العجيبة التى يحاول إقناعهم بها.. خرجت من المقهى غاضباً مقسماً أن ألقى البائع العجوز وعربة الدوم فى ترعة المحمودية إذا رأيته يبيع أمام بيتى، ولم ينتبه أحد إلى صراخى، إذ تعالى صوت العجوز يعيد شرح نظريته حول العلاقة بين غسيل زوجتى والمطر.
فوجئت، فى اليوم التالى، بعدد كبير من الرجال والشباب والنساء والأطفال يقفون أمام بيتى، وعيونهم معلقة على بلكونة شقتى.. كانت زوجتى تنوى غسل ملابسنا، لكننى طلبت منها ألا تفعل، بعد أن شرحت لها ما حدث بالمقهى..
مر أسبوعان وزوجتى لا تغسل، ولا تجرؤ على الوقوف فى البلكونة.. كان الناس يتناوبون الوقوف وعيونهم المحدقة فى حبال غسيل بلكونتى تنتظر رؤية معجزة..
لم أعد أطيق رائحة الملابس التى زكمت الشقة الضيقة فحولتها إلى جحيم.. طلبت من زوجتى أن تغسل كل الملابس المتسخة، لأنه لا معنى لأن نظل هكذا إلى الأبد بسبب خرافة أطلقها عجوز وقح.. ساعدت زوجتى لتنتهى من الغسيل بسرعة.. وخرجت لتنشره متجاهلة الجموع التى شهقت ولمعت عيونها عندما رأتها..
انتهت زوجتى من نشر الغسيل، ودخلت الشقة، وألقت بنفسها فوق السرير منهكة من ثقل الضغط العصبى الذى تعرضت له.. لم تمر إلا دقائق، وسمعنا صوت المطر يهدر، نظرت من فرجة فى شباك حجرة النوم، هالتنى غزارة المطر، وأفزعنى منظر الناس الذين تحولوا جميعاً إلى أطفال مجانين يرقصون تحت المطر، وينظرون إلى غسيل زوجتى بتقديس، أغلقت الشباك، تمددت فوق السرير، حاولت أن أنام بلا جدوى..
مرت عدة أيام والمطر لا يتوقف، بدأت أفكر بجدية فى نظرية العجوز المخرف، خرجت مع زوجتى إلى البلكونة، وجمعنا الغسيل كله، وألقينا به فى طشت كبير فى الحمام.. بعد دقائق توقف المطر.. لم أرد أن أصدق، وتحاشيت النظر فى عيون زوجتى المذهولة..
أحضرت شاكوشاً وبضعة مسامير وحبال غسيل، وصعدت إلى سطح المنزل، دققت المسامير فى الحوائط، وشددت بينها حبال الغسيل، وطلبت من زوجتى أن تنشر غسيلها على السطح بعيداً عن العيون..
فوجئت بزوجتى تنزل من فوق السطح باكية منهارة بعد أن أكملت نشر الغسيل بصعوبة والعيون المكدسة فوق أسطح المنازل المطلة علينا تلتهمها بنظرات إجلال وخوف واتهام..
لم يتوقف المطر حتى صعدت إلى السطح، وقطعت حبال الغسيل، وألقيت بالملابس فى جوال قديم، ضربته بقدمى بغيظ ليتدحرج على السلالم ويستقر أمام باب شقتى، فحملته زوجتى، وفرغته فى الطشت..
وبعد دقائق من توقف المطر، دق باب شقتى، فتحته لأجد حشداً من الفلاحين وأصحاب الأراضى الزراعية، دخلوا قبل أن أطلب منهم الدخول، طلبوا من زوجتى نشر الغسيل فوراً، قالوا إن زرعهم قد يموت إذا لم تنشر زوجتى غسيلها ويسقط المطر، وافقت زوجتى تحت الضغط الشديد، وساعدتها فى نشر الغسيل على حبال البلكونة..
وفى صباح اليوم التالى، تدفقت الهدايا علينا، مع تأكيدات ألا نلم الغسيل حتى يطلبوا منا ذلك.. شعرنا بالضيق الشديد، لكننا لم نستطع أن نفعل شيئاً.. حتى وجدنا عدداً كبيراً من التجار وأصحاب المقاهى والورش والسيارات والملاهى والباعة فى السوق الكبير ومنظمى المسابقات الرياضية، يطرقون بابنا بعنف، ويدخلون دون استئذان، ويجبروننا على جمع الغسيل فوراً، لأن المطر الشديد الذى استمر لعدة أيام تسبب فى خسائر جسيمة لهم جميعاً، وانصرفوا وهم يؤكدون أن أى خسائر ستحدث لهم بعد ذلك بسبب المطر ستكون مسئوليتى شخصياً، وسأضطر لدفع ثمنها..
جلست وزوجتى وحدنا ننظر فى أكوام الغسيل المكدسة، ولا نعرف ماذا نفعل بها، ولم يستطع أحدنا أن يفتح فمه بكلمة يعبر بها عن أفكاره، أو ينفض هواجسه، أو يحاول الفهم، حتى هدنا التعب فنمنا جالسين..
فى الصباح اكتشفنا اختفاء حبال الغسيل من البلكونة، وأرسل الذين يكرهون المطر من أخذ غسيل زوجتى عنوة، وألقى لنا مبلغاً كبيراً، ثم جاء الراغبون فى المطر وفوجئوا بعدم وجود الغسيل، فاشتروا لنا ملابس جديدة، وطلبوا من زوجتى غسلها ونشرها فوراً..
دخلت زوجتى الحمام لتغسل الملابس الجديدة، ودخلت خلفها لأساعدها.. اتفقنا بالنظرات على الهرب من خلال شباك الحمام..
ونحن فى وسط البلدة، قابلنا جموعاً من كارهى المطر يحملون العصى والسكاكين والمسدسات، ويرددون جملة واحدة، "لا غسيل بعد اليوم"، حاولنا التراجع بعيداً عنهم، فوجدنا خلفنا عدداً كبيراً من راغبى المطر يرددون "اغسلى وانشرى فوراً".. نظرت أنا وزوجتى للجموع المحتشدة حولنا بقلق.. والتقت عيوننا فى حيرة.

18 comments:

Malek said...

عودة لمنير عتيبة
القصة تختلف عن مجموعة مرج الكحل رغم انها في النص المنشور في الثقافة الجماهيرية آخر قصة في المجموعة
القصة تكشف جانب آخر عند منير وهو خفة دمه و روح الفكاهة عنده
في انتظار الآراء لن هذه القصة لم تترجم وانما ترجمت قصة من مجموعة مرج الكحل التي رفعتها من قبل

Immature said...

القصة مماثلة فى المضمون لقصة جحا وابنه والحمار .. لكن المثال وطريقة السرد متميزين بالطبع حتى اننى افكر الآن ماذا افعل لو كنت مكان هذا الرجل وزوجته
انا من عشاق كتابات الاستاذ منير عتيبة منذ قرأت له قصتى "النخلة" و "تسع خرزات للقادم"

ملحوظة: بالمناسبة يا دكتورنا انا كتبت 3 تدوينات مؤخرا ولم ارى منك اى تعقيب على اى منهم .. اشيلهم ولا ايه العبارة؟

Ossama said...

صباح الفل يا ي
طبعا عندك حق فيها جانب عبثي مماثل لقصة جحا وابنه والناس والحمار
ودي من طرائف شغل منير على فكرة
انا بالمناسبة علقت على كل التدوينات الجديدة عندك
بس انت لسه ما اديتهمش التمام
انا كنت مشغول حبة
بس برضه باتابع شغلك يا جميل
على فكرة فيه تدوينة جديدة في او يحيى ستكون بداية سلسلة يا ريت تقول لي رأيك

أبوفارس said...

دى أول مره أقرء للكاتب منير عتيبه القصه رسمت أبتسامه وفكرتنى بنكته ضيرسيه أقولها هناك..
أختياراتك زى الجنيه الدهب ياأبايحي...
أشكرك..تحياتى ..خالد

Malek said...

صباح الفل على الدكتور خالد
اعذرني ياباشا على التأخير في الرد
منير له مجموعة كاملة في مالك اسمها مروج الكحل
بعد مجموعة المتنصتون لاحمد والي
منير صديق من خورشيد بالاسكندرية ومن المبدعين الحقيقيين في مصر ومكافح بشدة وهو كاتب اذاعي و عمل معي في موسوعة قراءات في الفنون الاسلامية ومساعدا للاخراج في عدة افلام تسجيلية
وايضا له عدة مجموعان قصصية وكتب دراسات
تتميز كتابته بخفة دم عالية جدا
له مجموعة تمثيليات او سيناريوهات لاسكتشات على روايات نجيب محفوظ احاول اجيبها منه وانشرها هنا
تموت من الضحك بجد
بالاضافة لمعرفته الوثيقة بحالة القرية المتغيرة ورصده الدقيق لحواديت الجدات والعجائز
فنان موهوب بجد
يا ريت تبص على مجموعته الاولى هنا وانا اسميتها متوالية حكائية
خالص المحبة

emanff said...

طبعا قصة جميلة جدا جدا جدددددددددددددا

انا مبسوطة انك اخرا نشرت يا دكتور قصة الغسيل .. لأنى انتظرها من زمان !

Ossama said...

Better late than never ya doc
الحمد لله انها عجبتك
بس مقولتيش مش خارج سياق قصص المتوالية مروج الكحل؟؟؟

أبوفارس said...

كان عندى وقت أمبارح وعملت بنصيحتك ولكن ماقدرتش ألا أنى أنهى مجموعه المتنصتون ﻷحمد والى دى حكايه يادكتور أسامه ..
أنا بصيت عليها بسرعه كده قبلا لكن المره دى كانت قعده ممتده بالتعليقات -مين أدهم-
الطريف وللصدفه البحته قبلها كنت أتكلم مع د.وليد.. ومع أحدى البنات اللى بيشتغلوا معايا
فسألتنى بأكتب أيه فى مدونتى الشخصيه فأجبتها
ثم سألتنى أن كان التدوين منتشر بين الشباب المصري
قلت لها أيوه
بيكتبوا عن أيه
أجبت عن السياسه والدين والبعض قصص قصيره ألخ..
فغمزت وسألتنى مابيكتبوش عن الجنس ...
تصدق ياكتور أن الشباب العربى عموما لايكتب عن الجنس بصراحه..رغم أن معظمهم من الشباب اللى أكيد الجنس والحب والعلاقات مع الجنس اﻷخر تحتل مساحه محترمه من تفكيره والا أنا غلطان هل غياب الموضوع ده ليه علاقه بأصولهم الطبقيه المتوسطه والا بحاله الدروشه والزغلوليه -نسبه الى زغلول النجار وليس سعد زغلول- الضاربه فى أطناب المجتمع -حلوه أطناب دى ..يعنى أيه؟- وهل هى تفسير لحاله الغضب والعنف الملحوظه فى معظم المدونات...؟؟
معلهش سؤال أبيح..طب اللى مش متجوزين بيعملوا أيه وبالذات البنات والا طبقه أخرى من النفاق اﻷجتماعى والدينى تضاف للثلاث طبقات وأستك التى يرزح تحتها مجتمعنا العتيق...
وجعت دماغك مع أنى داخل أقولك أزيك وبس...تحياتى..وخالص مودتى...خالد

أبوفارس said...

د.اسامه ..أتكعبلت فى البلوج ده بالصدفه.. والنبى ألقى نظره خاطفه..شفت الواد غاوى سيما ده...
http://netflixsolo.blogspot.c

Malek said...

د.خالد حبيبنا الكبير
احمد والي يرسل اليك شكره لان المجموعة اعجبتك
و انا اكلمك يوم الاحد ان شاء الله في موضوع لطيف كده
المهم ادهم هو صديقنا الدكتور الصيدلي المقيم في السعودية وهو خريج صيدلة اسيوط في الفترة التالية لحضرتك مباشرة الدكتور احمد داوود
وهو شخص مثقف جدا ومطلع وخلوق و باختصار انسان جميل ميفترقش عن حضرتك وهو زي سعادتك كده من مؤسسي نهاوند وحنتيرة وايضا عضو مجلس ادارته
نيجي لموضوع الجنس عند الشباب العربي على الانتر نت الحقيقي يا دكتور انهم بيتكلموا وبشدة والمنتديات الجنسية اكتر من الهم على القلب ومثلها ايضا البلوجات الجنسية والمواقع الجنسية العربية و ده انتقال من مرحلة التشات الى مرحلة الفورمز او المنتديات وفي اسماء شهيرة في هذا المجال مثلا نادية طيظ او سميرة اشرف عاهرة او منتدى الجنس الخ
هو بس المشهورين في اوساط التدوين المجموعة التي تتكلم في السياسة الخ
انا في تقديري ان الثقافة السائدة التي تؤدي لخطاب انتحاري تؤدي لازدواجية معايير رهيبة و ان اي محاولة للجدية لابد وان تتجه للسلطة وبالتالي تفرغ من محتواها الحقيقي
بالنسبة للموقع
فعلا لطيف جدا واللي بهرني بجد اهتمامه بتحليل الفيلم بشكل منهجي وايضا اهتمامه بالكلاسيكيات
مثلا الوهم الكبير بتاع جان رينوار
كام واحد يعرف عنه من بتوع السيما العرب مش يكون شافه
يالا الف سلامة وميت فل وعشرة
بلا نيلة

Ossama said...

الاخوة والاخوات من قراء المدونة
اعذروني لو ابتعدت قليلا عن الانترنت والتدوين
وذلك لوفاة والدي
لا اراكم الله مكروها في عزيز عليكم
والبقاء لله وحده

أبوفارس said...

البقاء لله يادكتور أسامه..
عظم الله أجرك وأعانك على ألام الفراق وأحزانه...
ولاأجد ماأقول لك ألا مايقوله أهل بلدتنا "من أنجبك لم يمت.."... بارك الله فيك وفى ولديك أمتداد له ولك...
تعازيى القلبيه أبايحى...خالد

emanff said...

انا لله و انا اليه راجعون
البقاء لله يا دكتور

هم السابقون ونحن الاحقون

u3m said...

دكتور اسامة
.. لله ما اعطى ولله ما اخذ
رحم الله الوالد وادخله فسيح جناته

Ossama said...

الاخ العزيز د.خالد
الاخ العزيز ي
الاخت العزيزة د.ايمان
اشكركم كثيرا على رقتكم وعلى الوقوف بجانبي في هذه المحنة
شكر الله سعيكم ولا اراكم مكروها ابدا
اسامة القفاش

Islamist Bloke said...

لن تستطيع أن ترضى كل الناس ولو حرصت على ذلك

و زي ما قال احد المعلقين....مماثلة لقصة جحا وابنه والحمار

بس عامل الخرافة فيها -تسبب غسيل الزوجة بالمطر- معجبنيش

الا ان اى
fiction
لازم يكون فيه حتة كدة والا ميبقاش فيكشن

مدونتك جميلة

السلام عليكم

Islamist Bloke said...

لا حول ولا قوة الا بالله

البقاء الله

لله ما أخذ ولله ما اعطى وكل شىء عنده بأجل مسمى

فلتصبر ولتحتسب

Malek said...

الاخ رجل مسلم
جزاك الله خيرا على التعزية
بالنسبة للقصة فالعنصر العجائبي بها مهم جدا لانه هو نقطة التحول بدونه لا توجد قصة
وهو لا يسمى خرافة وانما في علم السرد او الناراتولوجي اسمه عنصر عجائبي
خالص التحيات