Thursday, August 03, 2006

الكتابة الغرامية من اهم موضوعات القص في فترة الستينات ونجدها حاضرة بشدة في اعمال احسان عبد القدوس احد اهم الروائيين المصريين والذي تخصص في الكتابة عن المجتمع المخملي وحولته السينما المصرية الى معين لا ينضب مع نجيب محفوظ

هنا يدخل احمد لعالم التصنت من عالم الكتابة الغرامية وبالطبع يتجاوز كعادته ما كتب قبلا

قلبُُ مشقوق بسهم كيوبيد


كان سرحان يدبّج خطاباً غرامياً لنجلاء المنوفى زميلته بالمدرسة الثانوية التى أصبحت مشتركة بين البنين والبنات بعد الهجرة ، وكانت هى من بورسعيد وأول من لبس البنطلون من الفتيات فى بلدنا وأول من رّكبت الدراجة ، كانت تذهب لدروس التقوية عليها وكذا لتتسوق لأمها المشلولة وتشترى الطلبات ، كتب لها ياربيع حياتى وياقطعة من دمى وياحتّه من كبدى … وكانت تعذبه كلمة حتة هذه ، فهى عامية وهو يتفاصح فى الخطاب ، فهكذا درجنا على أن تكون الكتابة للبنات بالفصحى ، ربما من باب الاحترام وجلال حالة الحب أو لبيان شدة لواعجه وكان لا يرتاح أيضاً لكلمة قطعة من دمى رغم أنه جّرب أن يكتب لها رسالة بالدم كالتى تكون للزعماء ( هى عنده أهم وأفضل ) فوجد دمه مكبداً إلى قطع لم يمشِ فيه سن القلم ولا البوصة .

كذلك كانت تقضّه وتمضّه فكرةُُ يريدُ أن يعبّر عنها دون أن تُدينه هى ولا يدينه الوطن ، فقد كان يريد أن يقول إنه أحب النكسة لأنها أتت بها من بورسعيد لتسكن إلى جواره فى بلد صغير أكثر بيوته من الطين وليس به غير طريق واحد مسفلت ولا يذكره التاريخ كهرية عرابى مثلاً أو بلدها بطل 56 ، ولايطل على بحر ولاتلبس نساؤه غير السواد .

كانت تعذبه الفكرةُ والكلمات عندما علا صراخُُ فى الجوار فخرج حافياً وزرق هو القصير بين حشد الناس وسط الّلُمّة حتى انتهى لمركزها حيث كان رأسُُ محشورُُ بين عامودين من حديد شباك الدور الأرضى ، الذى تسكنه حبيبة قلبه ، كانت رأس زميله فى الفصل ، وهو الذى أشار عليه بإرسال الخطاب ، وكان هو الآخر قد ألقى خطاباً وما قصد أن يتلصص على الأفخاذ المنشورة على الأرض أو يتنصت ، فكلهن بنات وعائلهم يعمل هناك بالمطافى ببورسعيد فعلام يتنصت؟ إنما حاول أن يحّرك رسالته بالعصا لتستقر على صدر حبيبته ، فأخواتها كثيرات وخشى أن تقع الرسالة التى رسم عليها قلباً مشقوقاً بسهم كيوبيد فى يد إحداهن فيفتضح أمرهما ، فلما حاول مقترباً انزلق منه الرأس فافتضح.

تمت تسوية الأمر بالأعتذار وتقبيل الرؤوس بعد أن بكت المشلولة وشكت وحدتها وغربتها ونومها على الأرض وهى بنت ناس وكان لها شقة تطل على البحر الكبير ويرتع أطفالها بالفراندا الوسيعة فجاء اليهود بقنابلهم ومدافعهم ليفترق الشمل ونترك الأهل ونضيع فى بلاد الناس .

أما سرحان فلم تعد تعذبه لا الفكرة ولا الكلمات ، لأنه لا يعرف ما الذى صرفه عن حبها بالضبط ، هل لأنه أضحى لها عشاق آخرون غيره ، ربما، وربما لأنه قزمُُ ولا يحلم أن تحبه دوناً عن بقية الفصل خصوصاً بعد أن افتضح أمرُ زميله فافتضح أمره وأمر كثيرين غيرهما وقعوا فى غرام نجلاء وكتبوا لها خطابات دسّوها أثناء الفُسحة فى كتبها ، وهى بدورها أسلمتها للناظر ، دون أن يستطيع أحدُُ أن يخمّن الشخص الذى أولته نجلاء مكنون القلب .

1 comment:

Adham said...

يتجاوز الأديب هنا الخطاب الغرامي و مشاكله
و الموضوع هنا مدخل اكثر من هدف للحكاية
في إيجاز بديع يصف الأديب جغرافيا الأحداث و الفترة التاريخية التي مهدت و عاصرت الحكاية
إنبهار القروي بإبنة المدينة التي ترتدي غير المألوف و تركب الدراجة
ثم إدراكه للحقيقة وإنه ليس خبالها

الهجرة والمهجرين بعد حرب 67 موضوع لم يتطرق إلي الكثيرون رغم ثراؤه