Wednesday, October 04, 2006

مرج الكحل
منها جاء اسم المتوالية الجميلة...قصة رائعة سمعناها من قبل و سنسمعها من بعد ولن نمل منها ابدا!منير يحول الحكايات التي سمعها صغيرا ربما الى كتابة ويستعيد بهذه الوسيلة طفولته ويعيد لنا طفولتنا المسلوبة

مرج الكحل

كان الجد عبد الحفيظ؛ جد أبى، نحيفا كعود قصب، طويلا كنخلة، عاشقا للخلاء.. ولم تكن قريتنا عندما كان شابا سوى شارعين صغيرين فيهما ما لا يزيد عن عشرين أسرة.. خلفهما حقول القرية.. والطريق الذى يربط قريتنا بأقرب قرية لنا يبعد عنا مسيرة أسبوع بحمار جيد العلف، خال من الأمراض.. وعلى اليمين تمتد صحراء لم يحاول أحد أيامها أن يقتحمها فهى بلا نهاية.. وعلى اليسار صحراء قيل إن فى نهايتها يقع مرج الكحل، لكن لا توجد سوى محاولة واحدة للوصول إليه قام بها الجد عبد الكافى أبو الجد عبد الحفيظ، لكنه لم يعد، ولم نعرف وقائع رحلته..

لا يذكر الجد عبد الحفيظ والده الذى رحل قاصدا مرج الكحل بينما كان ابنه فى عامه الأول..

لكن الجد عبد الكافى بدأ يترصد للجد عبد الحفيظ..

كانت أول مرة يرى الجد عبد الحفيظ والده عندما تسلل من بيت العائلة قبيل الفجر ليقابل هوانم ابنة تاجر البغال، التى قدر لها أن تكون زوجته لمدة أسبوع واحد وضع خلاله بذرة جدى، ثم رحل وراء حلم والده..

ثم ظهر الجد عبد الكافى لابنه مرة وهو فى الحقل.. ومرة وهو يتمشى وحيدا على حدود الخلاء.. ثم تكررت مرات الظهور.. ولا أحد فى العائلة يدرى.. لكنهم أخذوا يلاحظون التغيرات التى بدأت تطرأ على الجد عبد الحفيظ.. صمته غير المعتاد، نظراته المحدقة فى الفراغ طول الوقت.. حبسه لنفسه فى حجرته وحديثه الهامس إلى اللاشئ..

مجلس العائلة الذى اجتمع ووقف أمامه الجد عبد الحفيظ ليجيب على الأسئلة؛ لم يكن محاكمة، بقدر ما كان محاولة لمعرفة ما يحدث للشاب والسيطرة عليه قبل أن يفوت الأوان..

لم يكذب الجد عبد الحفيظ.. صارح أعمامه وأخواله وكبار العائلة بأنه يقابل والده.. يسيران معا فى الصحراء التى تقع على يسار القرية.. يتحدثان عن رحلة الجد عبد الكافى والأهوال التى قابلها ليصل إلى مرج الكحل..

كانت دهشة مجلس العائلة كبيرة.. لكن الزلزال الحقيقى الذى حدث فى القرية كلها أحدثه القرار الذى صارحهم به الجد عبد الحفيظ.. فقد أقنعه والده بالذهاب إلى مرج الكحل.. قال الأب إنه وصل بالفعل إلى المرج.. رآه رأى العين.. لكنه لم يستطع الدخول.. أخبره صوت لا يدرى مصدره أن المرج موعود لشاب نحيف كعود القصب، طويل كنخلة، عاشق للخلاء، وأن هذا الشاب من صلبه.. قال الجد عبد الكافى إنه رأى أهوالا فى العودة لا تقل عما رآه فى الذهاب، لكنه تحملها ليوصل لابنه الرسالة..

قلبه يحدثه بصدق والده.. وهو سيسير إلى قدره.. فمن يدرى.. قد يستطيع العودة ببعض خيرات مرج الكحل فتحل النعمة على القرية ويبصر العميان..

حاولوا إقناع الجد عبد الحفيظ بالعدول عن قراره.. لكنه لم يتراجع.. حتى زواجه من هوانم لم يؤثر فى تصميمه..

"لم يكن حلما فأقول إنه من الشيطان، وأننى لست نبيا لتكون أحلامى رؤى صادقة.. رأيت أبى وتحدثت معه.. مسحت دموعه بكمى.. دموع الاشتياق الذى يكابده من يقف أمام حلمه ولا يستطيع أن يلمسه.. سأحقق حلم أبى.. وأعود للقرية بما يضئ بصيرتها"..

وقفت القرية كلها على حدود الصحراء تودع الجد عبد الحفيظ.. احتضن كل فرد وقبله.. الدموع التى جرت فى تلك الساعة مازالت آثارها موجودة حتى الآن فيما أسمته القرية "بركة عبد الحفيظ".. عين ماء مالحة لا تنضب يتباركون بها.. الوحيدة التى لم تخرج لوداعه هى الجدة هوانم التى كان غضبها منه أكبر من أى شئ آخر..

ظلت حكاية الجد عبد الحفيظ ساخنة لفترة طويلة، حتى انشغلت القرية بحكايات أخرى.. لكنها لم تنسه تماما..

أما ما حدث لى فى الفترة الأخيرة فلم يكن حلما فأقول إنه من الشيطان، وأننى لست نبيا لتكون أحلامى رؤى صادقة.. كنت أتمنى أن تكون المسألة كلها أضغاث أحلام.. لكننى رأيت الجد عبد الحفيظ.. ظهر لى أكثر من مرة للحظات خاطفة.. ثم لدقائق.. كأنه كان يريد أن يطمئننى قبل أن يمكث معى مدة أطول.. ثم اختفى حتى اشتقت إليه.. فظهر لى.. وجلس معى.. حدثنى عن رحلته.. عبوره للصحراء التى بدت بلا نهاية لكنها مع ذلك انتهت.. اجتيازه للنهر المسموم.. حروبه مع وحوش خرافية.. معاونة الجد عبد الكافى له فى كل مأزق.. ثم وصوله أخيرا إلى مرج الكحل..

- بمجرد رؤيتى للمرج عرفت كم هى تافهة تلك الأهوال التى مررت بها.. إنه يستحق أن أعانى أمثالها مائة مرة.. وعندما خطوت أول خطوة فى المرج الموعود شعرت بولادتى الجديدة.. أحسست بجمال لم يكن يخطر ببالى.. طاقة حب أكبر من الوجود كله ملأتنى.. أشرت لأبى الذى كان يقف على حدود المرج تغسل وجهه دموع الفرح والشوق.. فأسرع إلىَّ.. وطئت قدماه المرج فأضاءت عيناه بسعادة، ثم فارق الحياة وعلى وجهه ابتسامة بلا مثيل.. استأذنت فى أخذ بعض الكحل لأهل قريتى.. وحصلت على الإذن بصعوبة.. حملت جرابا من الكحل.. لكن طريق العودة لم يكن سهلا.. كنت أضطر للتنازل عن بعض الكحل لأمر من مآزق كثيرة.. وأخيرا وصلت وليس معى سوى تلك الزجاجة الصغيرة.. لكن قطرة واحدة منها تكفى عشرات..

- كم من الوقت استغرقت رحلتك؟

- أياما.. ربما أسابيع.. أو شهور قليلة

- لقد مرت سنوات أكثر مما تظن.. إننى ابن حفيدك يا جدى..

- آه.. الآن فهمت كل التغيرات التى حدثت فى القرية حتى ظننت أننى دخلت قرية أخرى.. ولم يجعلنى واثقا من أنها قريتى سوى "بركة الدموع".. وملامحك التى تشبهنى..

- وماذا تريد منى؟

- سأعطيك زجاجة الكحل وأعود إلى المرج لأدفن بجوار أبى..

- وماذا أفعل بها؟

- هذه مهمتك.. مهمتى أنا تنتهى بتسليمى الزجاجة لك.. لكن ما أعلمه علم اليقين أنكم الآن بحاجة إلى هذه الزجاجة أكثر مما كنا عندما ذهبت أنا.. .. وأكثر مما كنا عندما ذهب أبى..

لم أعد أرى الجد عبد الحفيظ.. جلست فى نفس الأماكن فى الأوقات ذاتها، لكنه لم يظهر.. تأملت الزجاجة كثيرا.. درست أحوال قريتى.. فكرت كثيرا.. وتأملت أكثر.. لكننى حائر.. كيف أبدأ.. وبمن أبدأ..؟؟

11 comments:

emanff said...

القصة والى وسطها تقريبا .. القرية المعزولة , الصحراء التى تحدها والخوف مما ورائها , وكيف قرر احد افراد القرية ان يخرج .. كلها تشبه كثيرا جو فيلم

(القرية \ the village)
for, M night shyamalan

وحتى مقولة , انهم يريدون ان يجلبوا كحل لعميان القرية !

لازم تشوف الفيلم يا دكتور !!!!!!! ضروووووووووووورى

.......

ليش ما حللت القصة هذى يا دكتور ؟

Ossama said...

يا ايمان انا مش بحلل اي قصص انا بعلق
ويعمل حوار مع التعليقات
وانتي فتحتي وانا ان شاء الله اتكلم بعد شوية
ماشي اوعي تزعلي كله باوانه

طبيب نفسي said...

أسامة الجميل ..

مرج الكحل .. تاريخ الناس وجغرافيا الاسطورة

يأتي منير عتيبة من سلسال طويل من الحكائين الثقات، يحمل كل منهم ذاكرة تراثية تزدحم بالمفارقات والاحداث ، وتاريخ صنعه الناس فتحول من وهم إلي حقيقة عبز الزمن وتبادل الحكي الشفاهي. وكأنهم يوثقون مقولة أن عمل الوهم من طباع الناس .. اذا ارادوا حدوث حادث صرفوا همتهم اليه ومازالوا به حتى حدث.

مرج الكحل هي محاولة الانسان الابدية لاقتناص الما وراء وادراك السر،
وفهم الفهم داخل عباءة الالتباس والاسطورة. فالحقيقة علي بعد خطوة واحدة من الوهم، وبينهما مسافة وعي اللاوعي، وجسر رهافة القلوب وليس فراسة العقول.

القرية، والصحراء، والجد الكبير، والرحلة صوب المغرب، والهاتف الخفي،
وبركة الدموع ... كلها رموز رمز يؤدي إلي رمز، وإجابة تفضي إلي سؤال، ورحلة إلي المجهول حيث يتكاتف الرمزي والحسي، المجهول والمعلوم، المرئي والمسموع، الموت والحياة .... ثم الولادة مرة أخري.

هل كان رحيل الجد لاكتشاف مرج الكحل خارج القرية في الصحراء البعيدة ؟ أم رحيله لأكتشاف مرج الكحل في داخله ؟
كذلك الرحيل والعودة .. حركة دورية دائرية في الزمان والمكان لأعادة الاكتشاف، وتسليم أمانة الكشف من الجد إلي الابن .. إنه الوعد.

مرج الكحل حالة وليست محل مكان .. بقعة ضوء موضوعة على حدود المكان وعند اطراف الزمان .

جميلة هي كتابة المكان الاسطورة / الزمان الحقيقة / الانسان الواقع.

ولا يفتني أن أتذكر مشهد الجد حمدي أحمد وهو يقوم برحلة مشابهه للصحراء علي حصانه وحيدا، في رائعة رضوان الكاشف عرق البلح.

ولا أري وجه الشبه بين مرج الكحل وقرية شامالان.

شكرا علي هذه الهدية الجميلة .. ولنا عودة

مودتي

Malek said...

الرحلة صوب المغرب بالطبع تذكرك بالفتية المغامرين و بحر الظلمات و ايضا بالغربة الغربية للشهاب السهروردي رحمه الله!!!جميل جدا المستدعى ده يا وليد.مش عارف اقول لك ايه
الرحيل الجواني و البحث عن المجهول داخل النفس وفي اعماقها السحيقة....ربما يكون التشابه هنا مع فيلم الكوكب المجهول الذي انتج في الخمسينات و يتكلم عن محاربة وحوش مجهولة تظهر في النهاية انها الهو الجبار في اللاشعور
او مع استكشاف الانسان في الرحلة العجيبة من بطولة راكيل وولش وستيفن بويد
وخاصة ان الديكور في هذا الفيلم كان اجمل مافيه ومن تصميم سلفادور دالي
ربما التشابه مع فيلم القرية الذي لم اره يأتي ظاهريا على مستوى الاحداث يا وليد
شكرا على التحليل الجميل الذي يشوقنا للمزيد
وفي انتظار العودة

Mounir Otaiba said...

شكرا لكم جميعا
عرفتمونى الكثير عن عملى
سأعاود الكتابة إليكم بتفصيل وانتظام إن شاء الله
منير عتيبة

Mounir Otaiba said...

صديقى وأستاذى الحبيب د.أسامة
ننتظر رؤيتك بشوق فى مصر
منير

Malek said...

مرحبا بالصديق العزيز الجميل والكاتب المتميز منير عتيبة
يا منير يا حبيبي
هذا اقل مايمكن ان نقدمه لعمل جميل متميز لم يأخذ حقه
مرحبا مرة اخرى واتمنى ان نراك كثيرا في تعليقات على المدونة هنا او في المجدونات الاخرى
اسامة

emanff said...

عندى سؤال

هل واحد من المعانى فى القصة , ان الشخص ممكن يفنى عمره فى البحث عن شىء لا وجود له ؟؟

....

جميل جدا ان يكون كاتب القصة متواجد معنا

سؤال للكاتب:
بما ان القارىء (ايا كان ,سواء بسيط مثلى او عميق مثل الأخرون هنا) يفهم النص بحسب نفسه هو وحتى يحلل بما يفكر به هو ويفهم الرموز بما يأتى على باله,
هل هذا , يشت احيانا عن النص الأصلى او يُحمّل النص بما لا يوجد فيه

...
شكرا

Mounir Otaiba said...

الصديقة العزيزة إيمان
أشكر لك اهتمامك
رأيى الشخص أن النص النهائى يتحدد بعد القراءة، أى هو النص الذى تتم كتابته فى ذهن القارئ بعد الانتهاء من القراءة، وبالتالى فكل التفسيرات ممكنة إذا كان لها ما يبررها عند صاحب التفسير نفسه، وليس ضروريا أن توافقى على هذا التفسير، او أن يوافق الكاتب، فالكاتب، أنا مثلا، أقرأ بعض نصوصى فأكتشف فيها ما لم يكن يخطر ببالى أثناء القراءة، وأحيانا يكتب النص نفسه فيقول النص عكس ما كن الكاتب يريد أن يقوله، لا أريد أن أطيل، ولكن العلاقة بين الكاتب والنص والقارئ فيما أظن أعمق وأعقد وأكثر تركيبية من النظرية الإعلامية البسيطة المنبنية على فكرة الرسالة أى الراسل والرسالة والمستقبل
منير عتيبة

emanff said...

شكرا جزيلا يا استاذ منير على الرد

اشكر لك ايضا الواقعية فى الأجابة والبساطة

الان فهمت ما يحدث لى عندما اكتب شىء واعيد قرائته او حتى لما اتعلم شىء جديد من رد او تعليق ممن قرأ

اتمنى ان تواصل (التواصل) معنا
:)

emanff said...

لأ،ى لسه مخلصة قراءة رواية (100 عام من العزلة)
ل
جابرييل جارسيا ماركيز

وتذكرت هذه القصة كثيرا وانا اقرأ الرواية

فانا ارى تشابه بين هذه القصة و الرواية فى طريقة المزج بين الواقع والخيال , كما قال د اسامة انه يسمى الواقع السحرى


وايضا , حتى فى الجملة التى تكررت مرارا فى الرواية وهى ان الزمن لا يمضى وانما يدور على نفسه