Friday, October 27, 2006

العاشق

كانت الجدة زينات أجمل بنات العائلة، وكانت العانس الوحيد فى تاريخ عائلتنا كله.. حاول خطبتها ثلاثة شبان من أبناء عمومتها وخئولتها.. وتراجعوا لأسباب احتفظوا بها لأنفسهم، لكنها عرفت تلك الأسباب بعد فترة طويلة..

كانت الجدة زينات فتاة مرحة، حلوة الحديث.. لكنها بدأت تعتزل الناس عندما تخطت الخامسة والعشرين من عمرها.. تقضى وقتا طويلا في حجرتها المنعزلة وكأنها ليست ضمن بيت العائلة، أو فوق سطوح الدار، أو فى حقول القرية، وليس معها سوى قطها ذى اللون الرمادى، صديقها الوحيد الذى تبثه همومها وشجونها..

كانت تحب الحياة، لكن الحياة لم تعطها ما تعطى الفتيات الأخريات، لم تعطها من يحبها، ويتزوجها، ويجعلها أما.. لكنها لم تكره الحياة، حولت طاقة الحب بداخلها إلى صديقها القط "مؤنس"..

مرضت وهى فى السابعة والعشرين من عمرها مرضا خطيرا لم تستطع كل وصفات الجدات وعجائز القرية شفاءه.. ونصح الطبيب المقيم بالوحدة الصحية فى إحدى القرى المجاورة بأخذها إلى طبيب مشهور بالإسكندرية..

كانوا يعدون حقيبتها، وحقيبة الجد منصور الذى سيذهب معها، ولم يكن يشغلها سوى "مؤنس" الذى اختفى من أمامها.. لم تكن تستطيع الكلام، فأشارت تسأل عنه.. خرجت إحدى الفتيات لتحضره إليها..

كان "مؤنس" يقف فوق سور السطوح حزينا، تتألق فى ضوء شمس الظهيرة دموع عينيه، كان يخشى فقدها إلى الأبد.. وكان أبى طفلا يلعب بنبلة صغيرة، وجهها إلى رأس "مؤنس" الذى اختل توازنه، فسقط من فوق السور، فكسرت ساقه اليمنى..

قامت إحدى الجدات بتجبير ساق "مؤنس" الذى بكت الجدة زينات لأجله كثيرا.. وبكت أكثر لأنها لن تستطيع أن تصحبه معها إلى الإسكندرية..

وفى الإسكندرية كان بانتظارها قصة حب كبيرة.. كان الممرض الذى يدير عيادة الطبيب المشهور ينتمى إلى عائلتنا بشكل ما.. وقد تعرف على الجد منصور.. وأوصى الطبيب على زينات ابنة عمه.. وأكد الطبيب أن الجدة زينات ليست مريضة.. ولكنها بحاجة إلى بعض التغيير.. ونصح ببقائها فى الإسكندرية عدة أيام..

وخلال الأيام التى أمضتها فى الإسكندرية أحبت عبد الرحمن الذى عشقها لدرجة الموت.. كان الجد منصور يلاحظ العلاقة التى تنمو بينهما فى صمت.. وكان يبارك هذه العلاقة.. بل كان يعمل على التقريب بينهما قدر استطاعته.. وفى النهاية جلس مع عبد الرحمن.. وقال له:

- إننى ألاحظ أنك تميل إلى زينات، وأرى أنها أيضا تميل إليك..

- هذا صحيح.. وأتمنى أن توافق على أن تكون زينات زوجة لى..

لم تسع الدنيا سعادة الجدة زينات.. أخيرا ستتزوج من شخص تحبه ويحبها، وستكون أول فتاة تتزوج خارج القرية..

عادت مع الجد منصور إلى القرية، على أن يأتى عبد الرحمن بعدهما بأسبوع.. وأقيمت الأفراح فى قلوب كل فرد من أفراد العائلة لأجلها.. كان الجميع سعداء ماعدا "مؤنس" الذى أصبح يعرج بقدمه اليمنى.. ويموء فى وجه أبى بغضب كلما رآه..

وجاء عبد الرحمن.. ورحبت به العائلة كلها.. وجلست بينهم الجدة زينات وفى حجرها صديقها الأثير.. لكن عبد الرحمن لم يطلب يدها.. بل إنه لم يبت ليلته فى القرية.. قال إنه جاء ليتعرف بالعائلة، وأن عليه أن يعود فورا وإلا سيفقد عمله فى عيادة الطبيب المشهور.. وأنهى طعامه بسرعة لأن الجد منصور أقسم عليه بالطلاق أن يتناول معهم العشاء، لكنه حتى لم ينتظر ليشرب كوب الشاى..

خرج عبد الرحمن ولم يعد، وأغلقت الجدة زينات باب حجرتها عليها ولم تفتحه أياما كثيرة تعبت العائلة من عدها حتى أصبحت عادة لا تثير الأسئلة، أن تغلق غرفتها عليها وليس معها سوى "مؤنس".. ولم تكن الجدة زينات تشعر بما تفعله فى الحجرة.. كانت الأيام الكثيرة تمر كساعة أو أقل.. تتحدث إلى "مؤنس" فترى فى عينيه أنه يفهمها، ويحس بها، وتشعر بأنه يواسيها عندما يحك جلده بجلدها.. تسمع موسيقى غريبة وجميلة لا تعرف مصدرها، لكنها تدفعها لأن ترقص وترقص حتى تسقط على سريرها أو على الأرض، و"مؤنس" فى حضنها..

وفى يوم كانت الجدة زينات تحمل "مؤنس" بين ذراعيها، وتسير فى الحقول سارحة.. وفجأة انتبهت على حصان الجد عبد الحفيظ يجرى بجنون بلا لجام، تفادته، فوقعت فى مصرف، لكن أقدام الحصان المجنون دهست "مؤنس".. خرجت الجدة زينات من المصرف وملابسها تقطر طينا.. حملت "مؤنس" بين ذراعيها.. كانت أنفاسه تتردد بطيئة واهنة.. وكان ينظر إليها بحزن غامر..

فوجئت بـ"مؤنس" يقول لها:

- سامحينى.. أنا السبب.. حبى هو الذى دفعنى لأبعدهم جميعا عنك..

- ................؟!

- عندما رأيتك عشقتك.. تركت عالمى وحياتى وجئتك فى صورة الحيوان الذى تحبين.. كنت أجعل خاطبيك ينفرون منك أو يخشونك.. كنت أبعدك عن العالم لتكونى لى وحدى كما كنت لك وحدك.. أرجوك.. سامحينى.. أريد أن أسمعها منك قبل أن نفترق الفراق الأخير..

- ...............!!

لم ترد الجدة زينات، قبل أن تفكر فى الرد كانت أنفاس "مؤنس" قد توقفت تماما..

رأيتها وقد جاوزت الثمانين من عمرها.. أخبرتنى أنها لم تعرف إن كانت قد كرهت "مؤنس" أم غفرت له.. لكنها حفرت له فى حجرتها قبرا ودفنته فيه، وأوصت أن يدفنوها فى نفس الحجرة عندما تموت.


8 comments:

bluerose said...
This comment has been removed by a blog administrator.
bluerose said...

جميلة فعلا
لم أستطع تحديد اذا ماكان مؤنس قد حرمها من السعادة أم منحها اياها

ربما ليست السعادة دائما هي ما يضعه الجميع مقياسا لها

مفارقة غريبة ان مؤنس قطة بالتحديد

لسة كنت بافكر ان علاقتي بالقطط تحديدا معقدة جدا , فأسفل منزلنا أشعر بتعاطف شديد مع مجموعة قطط صغيرة جدا , نفسي أأكلها , لكنني أعاني من فوبيا بجد من القطط , فمهما حاولت الاقتراب تصيبني حالة من الرعب الشديد رغم اقتناعي بعدم قدتها على الايذاء , لكن في نفس الوقت لا أشعر مطلقا تجاهها سوى بالتعاطف

انا عارفة ان دا رغي مالوش لازمة بس هي خواطر جت في دماغي كدا

احترامي و تقديري

Mounir Otaiba said...

لدى نفس العلاقة المعقدة مع القطط وأخشى الكلاب موت
وربما لهذا أحب الكتابة عنهم بكل هذا التعاطف

Malek said...

دكتورة بلو روز اهلا بحضرتك منورة مدونة مالك
مفيش اي رغي طالما الموضوع انساني وجميل كده
متهيألي ده اللي بيحاول منير انه يعمله يصالحنا على اجزاء في انفسنا مش عارفينها ومش عايزين نعرفها وتتنازعنا تجاهها مشاعر متناقضة شتى
و ده يخلي كلام حضرتك شديد الاهمية
ليه بنخاف من الضلمة ومن القطط و من الكلاب
وليه بنصور الحيات مثلا على انها شريرة؟؟
ولا الذئاب رسل الشر؟؟
الحيوان الوحيد على الكوكب اللي بيعتبر القتل متعة هو الانسان للاسف الشديد
هل كانت زينات زينة البنات غضبى على مؤنس ام انها تصالحت معه ومع نفسها؟؟ وقبلت حياة خاصة جدا؟؟؟
في اجمل رواية قريتها في حياتي يا دكتور وهي رواية
ليرمنتوف بطل من هذا الزمان
يقول البطل في الجزء الثاني المسمى المهربون
ومثلي مثل كل البشر اتطير من الاعمى والابرص وذوي العاهات

ياه على الجمال
احنا فعلا نحيا في عالم من العنف الشديد يا دكتورة
وجميل ان نعترف بذلك وجميل ان نحاول التصالح مع انفسنا اولا ومع العالم من حولنا ثانيا
كما قال ابو القاسم الشابي
ومن لم يعانقه شوق الحياة تبخر في جوها واندثر
كذلك قالت لي الكائنات وحدثني روحها المستتر
حديث روح الكائنات ده هو موضوع عمل منير
وهو موضوع رغي حضرتك الجميل
اشكر ك يا دكتور ة على الزيارة
اسامة

Mounir Otaiba said...

الدكتور أسامة طول عمرة فاهمنى جدا أكثر من نفسى
لقد كنت واعيا جدا بموضوع التصالح هذا، وكذلك بموضوع العنف، عنف البشر مع بعضهم البعض وتهميش كل منهم للآخر، فظننت أنهم لو تقبلوا ما ترمى إليه حكاياتى من التصالح مع الكون فسيكون ذلك تمهيدا لأن يتصالح أو يقبل كل منهم الآخر المختلف معه فكريا أو دينيا أو عرقيا
لأننى إذا تقبلت أن أكون صديق الشجرة وصاحب العفريت وعاشق القط إلخ فمن باب أولى أن أقيم نفس هذه العلاقات الجميلة مع إخوتى من بنى البشر
أو هذا ما أظنه وأتمناه

Anonymous said...

دكتور اسامة
!!! لم اقرأ هذه القصة قبل ان اعلق على قصة سر الحمار .. ووجدت هنا قطى الذى ابحث عنه ..اتمنى ان تحتوى القصة القادمة على ديك !!

emanff said...

الجزء الذى اثار تساؤلى هو
ان لا تعرف الجدة فى النهاية , ان كانت كرهت مؤنس ام غفرت له ؟؟؟؟

كيف تتشابك الأحاسيس لدرجة ان لا نفرق بينها !؟؟

...........
انا والقطط

احبهم جدا ومنذ الصغر وانا لدى قطة

لى قصة طويلة مع قطة كانت لى فى السكن ,,
تعملت من لولو -اسم قطتى- درسا مهما جدا جدددددددددداااااااااااافى الحياة

ولأن الرد صار طوييييلا , ومن حق لولو الله يرحمها
ان يكون لها موضوع لذا اثرت ان اضع قصتها فى مدونتى ,,

..........................
تطفيش العرسان

ذكرنى بأنى اعرف ان والدى كان يطفش كل العرسان الذين يتقدمون لأمى قبل ان يتزوجها !!!!!!!!!!!

يعنى بالعربى ,, كان بالفعل يهددهم !

Ossama said...

ردودك يا دكتورة كلها افكار لقصص
اما بالنسبة للقطة فانا في شوق حقا لموضوع لولو
بالنسبة للمشاعر
اكيد يادكتورة مشاعرنا دائما مختلطة ومفيش حاجة واضحة في المواضيع دي
خالص التحيات دياما
وحمد لله على السلامة